@

اللغة العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سيرة شاعر

أبو القاسم الشابي

نشأته وحياته .

       هو شاعر تونس الكبير, ولد في مارس سنة 1909م ,في قرية "الشابية"  واليها كانت نسبته.

تلقى تعليمه الأولي في المدارس القرآنية حيث حفظ القرآن الكريم , وتعلم مبادئ العلوم الدينية والعربية , وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في التاسعة , والتحق بالجامعة الزيتونية ونال شهادة التطويع .

وقد نشأ أبو القاسم في سنوات تكوينه الفكري والخلقي في كنف والده , يقتبس من علمه وفكره , وتأثر الشابي بوالده , الذي عرف بالصدق , وقوة العقيدة , والتفاعل مع ما يجري في بلاد المسلمين من أحداث , خاصة في مناطق المشرق العربي .

وتعلم الشابي من أبيه الرحمة والحنان , وأن الحق خير ما في هذا العالم , وقد ساعد على إثراء تجربة "الشابي" الشعرية , وتدفق شاعريته , وازدهار ريشته , ورحابة قاموسه , تنقله وترحاله بين مناطق تونس المختلفة .

وفي سنة 1929م أصيب بداء تضخم القلب وهو في الثانية والعشرين من عمره ولم ينقطع عن عمله الفكري مخالفا بذلك أمر الطبيب .

وتوفي_رحمه الله_ في اليوم التاسع من أكتوبر سنة 1934م بمدينة تونس ودفن بمسقط رأسه "الشابية".

 

الحب والثورة

نبغ أبو القاسم الشابي في الشعر مبكرا , وارتفع صوته جهيرا في مدة قياسية من الزمن وخرج عن نطاق بلده تونس , ومنطقة المغرب العربي والشمال الأفريقي في عمومه , ووصل سريعا إلى المشرق العربي.

استطاع في فترة محدودة أن يكون له معجم شعري , ألفاظه منتقاة , وعباراته مختارة وأسلوبه مشوق , وجمله متناسقة ومعانيه واضحة ونبراته موحية , ولا يلجأ إلى الغموض , ولا يركن إلى الأسلوب الرمزي .

غنى "الشابي" في شعره للحب والربيع والحياة والثورة . وكان شاعرا موهوبا غني الإحساس , وكانت الكلمات التي نطقها طيلة سنوات عمره , كلمات محب عاشق للإنسان والحياة . وقاده هذا العشق إلى الارتباط الصادق بأحزان بلاده ومشكلاتها , والتعبير عن هذه الأحزان .

وجاء شعره عن المرأة معبرا عن الجانب الإنساني الرفيع فيها , يحمل معنى التبجيل للمرأة , ويربط بينها وبين أجمل ما في الطبيعة من مظاهر , ويغني لمعنى الحب , ويجد في هذا المغنى دفئا , ويجد فيها أيضا عالما سحريا رقيقا يعطيه من صور الحياة ما يفوق الجمال الحسي الملموس بصورة كبيرة.

والحب عند الشابي حب رومانسي صادق , وأول مظاهر الرومانسية فيه , هو المثالية الكاملة , فالمرأة التي يحبها هي امرأة من صنع خياله السامي . وهي امرأة مثالية تتكون من الأحلام والأطياف والزهور , وهي ليست من جسد , بل من روح شفافة , وليست مزيجا من الخير والشر , ولكنها خير مطلق , وصفاء مطلق , وحبها حب روحي شفاف يسمو فوق نداء الغريزة.

وكان الشابي يشعر بأن معنى الحياة الرئيسي هو الحب , بل أن الموت لا يصبح موتا , إلا لأنه يقضي على الحب , كأن الحب عنده هو المعنى الوحيد للحياة , أو كأنه مرادف جديد لكلمة الحياة . ويقول في قصيدته "أنا أبكيك للحب":

"لست يا أمي أبكيك لمجد أو لجاه                          سلبته مني الدنيا وبزتني رداه فانا احتقر المجد وأوهام الحياه                         أو لعمر , بلغت منه الليالي منتهاه وتلاشت في خضم الزمن الطاغي قواه              فانا ما زلت في فجر شبابي أو ضحاه إنما أبكيك للحب الذي كان بهاه                      يملا الدنيا فأنى سرت في الدنيا أراه".

 

تراث الشابي

إنتاج الشابي الأدبي ينقسم إلى قسمين : الأول نشر في حياته , والثاني بعد وفاته, إما الأول فنشرت منه مجموعة أشعار وقصائد في المجلات التونسية, كما طبع له كتاب "الخيال الشعري عند العرب" سنة 1929م, وصدر له بعد وفاته ديوان "أغاني الحياة" , وذلك في القاهرة سنة 1955م ثم طبعت منه عدة طبعات , إضافة إلى كتابي "المذكرات" و"الرسائل",اللذين نشرا عام 1966م.

 

الثورة وإرادة الحياة

كان أبو القاسم الشابي يريد لشعبه الاستقلال والانعتاق والتقدم , يتألم لحاله , عبر عن هذا الألم تعبيرا مدويا جارفا في قصيدته "إلى الشعب" التي نظمها قبل عام من وفاته: "إن يم الحياة يدوي حواليك...فأين المغامر , المقدام؟ أين عزم الحياة؟ لاشي إلا الموت, والصمت والأسى والظلام؟".

ورغم آلامه ظل "الشابي" يهز الشعب بشعره , فيصرخ بأعلى صوته:

إذا الشعب يوما أراد الحياة              فلا بد أن يستجيب القدر

 ولابد لليل أن ينجلي                     ولا بد للقيد أن ينكسر

 ومن لم يعانقه شوق الحياة             تبخر في جوها واندثر

 

أسطورة شعرية

صنع الشابي أسطورته الشعرية خلال خمس سنوات , هي السنوات الخمس الأخيرة من حياته. كان في العشرين من عمره, عندما بدا ينشد للحب والوطن والثورة . وعندما بلغ الخامسة من عمره , كان الموت ينتزعه من بين أوراقه انتزاعا , ويقذف به نحو العالم الأخر .

ووجدت قصائد الشابي الأولى طريقها إلى النشر في الصفحة الأدبية لجريدة "النهضة" التونسية , التي كانت تصدر كل اثنين من كل أسبوع سنة 1926م, وأيضا في مجلة "العالم الأدبي". وأثار الشابي ضجة كبيرة حوله عندما طرح آراءه في الشعر العربي, في الأمسية التي أقامتها جمعية "قدماء الصادقية" في شهر شعبان عام 1929. ثم تخطى الشابي حدود المجلة إلى أفاق عربية أوسع , عندما نشرت له مجلة "أبولو" المصرية قصائده , بدءا من عام 1933.

 

تكــــــــريم

منح الرئيس التونسي زين العابدين بن علي سنة 1989, وسام الاستحقاق الثقافي للشاعر" أبو القاسم الشابي" بمناسبة اليوم الوطني للثقافة في تونس .

وفي سنة 1990 قرر الرئيس التونسي إقامة متحف للشابي يتفق مع المنزلة المرموقة لهذا الشاعر الكبير .

وكان أبو القاسم الشابي عند وفاته, قد دفن في تونس العاصمة ثم نقل جثمانه إلى بلدته "توزر".

 

إعداد الأستاذ/ طلال محمد نصر

     مدرس اللغة العربية